جلال الدين السيوطي
218
الأشباه والنظائر في النحو
أهلكت منفسا إن أهلكته ، وساغ إضمار ( إن ) وإن لم يجز إضمار لام الأمر إلا ضرورة ، لاتساعهم فيها بدليل إيلائهم إياها الاسم ، لأن تقدمها مقو للدلالة عليها ، ولهذا أجاز سيبويه : بمن تمرر أمرر ، ومنع من تصرف انزل حتى يقول : عليه . وقال فيمن قال : مررت برجل صالح إلا صالح فطالح - بالخفض - إنه أسهل من إضمار ( ربّ ) بعد الواو ، وربّ شيء يكون ضعيفا ثم يحسن للضرورة كما في : ضرب غلامه زيدا ، فإنه ضعيف جدا ، وحسن في : ضربوني وضربت قومك ، واستغني بجواب الأولى عن جواب الثانية كما استغني في نحو : أزيدا ظننته قائما ، بثاني مفعولي ظننت المذكورة عن ثاني مفعولي المقدرة . ربّ شيء يصحّ تبعا ولا يصحّ استقلالا قال ابن هشام في ( المغني ) « 1 » : ( أما ) حرف شرط بدليل لزوم الفاء بعدها نحو : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ [ البقرة : 26 ] الآية ، ولو كانت الفاء عاطفة لم تدخل على الخبر ، إذ لا يعطف الخبر على مبتدئه ، ولو كانت زائدة لصحّ الاستغناء عنها ، ولما لم يصحّ ذلك وقد امتنع كونها للعطف تعيّن أنها فاء الجزاء فإن قلت : فقد استغنى عنها في قوله : [ الطويل ] « 166 » - فأمّا القتال لا قتال لديكم * [ ولكنّ سيرا في عراض المواكب ] قلت : هو ضرورة ، فإن قلت : فقد حذفت في التنزيل في قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ [ آل عمران : 106 ] قلت : الأصل فيقال لهم : أكفرتم ، فحذف القول استغناء عنه بالمقول فتبعته الفاء في الحذف وربّ شيء يصح تبعا ولا يصحّ استقلالا ، كالحاج عن غيره ، يصلي عنه ركعتي الطواف ، ولو صلى أحد عن غيره ابتداء لم يصح . ربما كان في الشيء لغتان فاتفقوا على إحداهما في موضع كقولهم : لعمر اللّه ، وأنت تقول : العمرو العمر ، ذكره الفارسي في ( التذكرة ) .
--> ( 1 ) انظر المغني ( 1 / 57 ) . ( 166 ) - الشاهد للحارث بن خالد المخزومي في ديوانه ( ص 45 ) ، وخزانة الأدب ( 1 / 452 ) ، والدرر ( 5 / 110 ) ، وبلا نسبة في أسرار العربية ( ص 106 ) ، وأوضح المسالك ( 4 / 234 ) ، والجنى الداني ( ص 524 ) ، وسرّ صناعة الإعراب ( ص 265 ) ، وشرح شواهد الإيضاح ( ص 107 ) ، وشرح شواهد المغني ( ص 177 ) ، وشرح ابن عقيل ( ص 597 ) ، وشرح المفصّل ( 7 / 134 ) ، والمنصف ( 3 / 118 ) ، ومغني اللبيب ( ص 56 ) ، والمقاصد النحوية ( 1 / 577 ) ، والمقتضب ( 2 / 71 ) ، وهمع الهوامع ( 2 / 67 ) .